الثلاثاء، 25 أغسطس 2015

سر مريم



صديقتى ورفيقة طفولتى تدعي مريم . نشبه بعضنا فى كل شئ حتى فى ملامحنا . كثيرا ما اوحى الشبه بيننا للأخرين اننا اخوة . جمعتنا البراءة والحب الذى لا تشوبه شاءبة جلست وإياها فى فترة راحتنا بين المحاضرات واعتدنا ان نستغل هذه الاوقات لننعزل عن باقى الرفقة ونجلس معا نخرج ما تحويه جعبة كل منا من أفراح وأحزان وهموم . دار بيننا حديث لا اذكر كيف بدأ ولكنى اذكر اننا وصلنا للحديث عن الاقدار وكيف نتقبلها او نجزع امامها.
أنا: ولكن يا مريم بعض الاقدار هي فوق طاقتنا على التحمل لا يمكننا ان نبقى بعدها وننساها فهى تحطمنا جزئيا او كليا.
مريم. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فهو يعلم ما يمكننا تحمله وما لا يمكننا.
أنا. كلنا لا يعلم ماذا يختبئ له من أقدار وكم من البشر من توفى لصدمة أو انتحر لأذمة.
مريم:هذا ضعف ايمان لا عدم قدرة على التحمل انا اؤمن أن الله إن كتب علينا ما لا طاقة لنا به فإنه رؤوف بنا فى قضاءه ومن لطفه ان يهيئنا ويعدنا لما سيجريه فينا من صعاب ومحن بالتدرج والتهيئة.....
هنا رن هاتفها قاطعا حديثا بدي لى انها توصلت له بعد تفكير طويل سبق حديثنا هذا فقد بدت مؤمنة به موقنة كما لم أرها من قبل.
مريم: ماذا...ماذا تقولين؟...امى كيف..؟ ....أنا اتية حالا ......
أنا : ماذا حدث؟
مريم:نقل ابى إلي العناية المركزة...انا ذاهبة.
أنا:سأتى معك.
وصلنا الى حيث احتجز ابوها وقال عنه الاطباء انه فى حالة حرجة وطلب منا ان ندعو الله له بالشفاء والنجاة.
سمعت مريم هذه الكلمات مذهولة تغرق عينيها في دموعا ظننت من غزارتها انها ادخرت جل دموعها لهذا اليوم.
حاولت تهدأتها ولكن بلا فائدة ظلت تبكى بين ذراعى وانهارت قواها ولم يمكننى إلا ان أربت على كتفها فأنا ادرى واعلم قدر ما حل بها. كم كلمتنى مريم عن والدها ومقدار حبها له . كانت تصفه دائما بملاكها الحارث وامين روحها كانت تتحدث عنه وكأنها تحكى عن حبيبا لها . ذات يوم قالت لى : هو سعادتى الخالصة وروحى النقية لا يمكننى ان احيا بلا روحى ولو لحظة واحدة.
"يالحزنك يا مريم اصمدى حبيبتى فإن الله لن يبتليكى في ما لا تطيقيه فهو يعلم ان مثل هذا ابتلاء فوق طاقتك "احتضنتها وهمست هذه الكلمات فى اذنها فزادت فى بكاءها حتى خشيت ان يغشى عليها . رفعت عيناها ببراءة وضعف وقالت :إن الله يهيئنى يا صديقتى ....واستمرت فى بكاءها.
"مريم حبيبتى لا تضيعى وقتك فى البكاء والخوف مما لم يحدث بعد ليس هذا من شيم المؤمنين يا مريم . إلجائى إلى ربك وادعي لاباكى بالشفاء دعى نور ربك يملأ قلبك فيطرد الخوف منه ويملأه ثقة بالله. دعى الله يراك صابرة راضية فى محنتك فليكن الله عند ظن امته يا مريم.
هدأت بعد هذه الكلمات وأقبلت امها تخفى دموعها وتدعى التماسك امامنا وأخبرت مريم انها يجب ان تذهب الى البيت لترتاح . رفضت بشدة إلا ان امها غلبتها بقولها"لا ينقصنى عصيانك". رضخت مريم لامر امها فعادتها الطوع والبر بأبويها.
حادثت امها وأخبرتها أنى سأبيت ليلتى عند مريم حتى لا أتركها فى هذه الحالة ووافقت فذهبنا الي منزلها وحاولت التهوين عليها بلا فائدة . رفضت الطعام والشراب ولولا إنهاك ألحقه بها البكاء لرفضت النوم أيضا ولكنها نامت ورقدت بجوارها .
لم استطع النوم فكم أحزننى ما أصابها وإنى لأخفى عنها خوفى مما تخافه أيضا . كره جسدى الرقود والنوم وهى فى هذه المحنة فإن شغلها البكاء والخوف عن الدعاء فسأقوم انا بذلك بدلا عنها.
توضأت وبقيت الليل اصلى وادعو من اجلها ومن اجل أبيها وبعد ساعات من الدعاء والصلاة خلدت للنوم بجوارها.
ايقظتنى مريم فى الصباح الباكر وأخبرتنى اننا سنذهب الى المستشفى قلت لها :ولكن أمك قالت...
قاطعتنى بلهجة حازمة :ولكن أبى.
وصلنا الى غرفة العناية المركزة وجدناها تعج اطباء وممرضات حتى لم نتمكن من رؤية اباها الذى فصل بيننا وبينه زجاج الغرفة.
نظرت الى مريم التى وقفت بجواري صامتة تنظر بذهول لا دمعة واحدة تطل من عينيها  . كانتا صافيتين كما لم ارهما يوما أقرب لعيون المسرورين منها لعيون المنكوبين كذبت عيناي وسلمت أذنى لطبيب خرج من الغرفة محادثا ام مريم:انا لله وإنا اليه راجعون.
انهارت امها مغشيا عليها وخر أخيها باكيا يحاول الامساك بأمه وظلت مريم على نفس حالتها صامتة بلا أى رد فعل.
محادثة نفسى: ألم تسمعى كلمات الطبيب يا مريم؟ ام ترفض أذناك سماع هذا الخبر بالذات؟
ناديتها: مريم..مريم حبيبتى.
أجابت ببرود:نعم..
أنا:إن الله مع الصابرين..إصبري واحتسبى.
لم تجبنى ولم تبدى أى اهتمام وكأن شيئا لم يحدث معا منذ البداية وكأننا ما زلنا فى الجامعة نتحادث.
طلبت منى امها اصطحابها الى المنزل فهى أيضا تخشى عليها ان تفيق من حالة الصمت التى أصابتها لتجد عزيزها وملاكها قد صار ذكرى وماضيا فقط تحن إليه من حين لأخر..وانصاعت لامر أمها بلا مقاومة هذه المرة.
ظلت مريم على هذا الصمت المطبق طول الطريق من المستشفى إلى البيت هائمة الوجه جامدة العيون ونامت فى هدوء كمن لم يمر بشئ ولم اجرأعلى كسر هذا الصمت  ببنت شفة فلا أخشى أكثر من أن تخرج من هذا الصمت إلى الجنون.
نامت بهدوء ولم أنم أنا بقيت افكر فى حالتها وما أصابها هل يعقل أن يبكيها المرض ولا يبكيها الموت؟ أم أن الله قد هيئها بالفعل لهذا المصاب حتى تقبلته راضية مسلمة.
وظللت اتسائل وانا ألفها بذراعي لتشعر وإياى بالامان حتى غلب النوم عينى.
أيقظنى ضياء الصبح فلم أجد مريم بجوارى . قفزت خائفة ابحث عنها كالمجنونة حتى وجدتها فى غرفة امها..
أنا:مريم..ماذا تفعلين؟
مريم:ابحث عن ملابس سوداء..ألا يجب علىَ ارتداء الاسود؟
تذوقت ريقى واقشعر جسدى فلم يكن هدوءها أمرا مريحا أبدا اقتربت منها وفتشت معها حتى وجدنا ما أرادت .ارتدينا ملابسنا وعدنا مرة اخرى الى المستشفى حيث سترى أباها للمرة الاخيرة وتودعه الى مثواه .
صارت الامور فى هدوء وأقيمت شعائر الجنازة وسط بكاء وصراخ وحزن أدمى قلبى وأبكانى حتى غرق قلبى فى الحزن وأنا أنظر إلى تلك المخيفة الصامتة فلم أعد اعرفها .
كيف يا مريم صرت قاسية لهذا الحد؟كيف بخلت عيناكى بالدموع على أباكى؟كيف رضيت الفراق الذى أفرغ فؤاد أم موسى وبيض عينى يعقوب؟كيف غلبته يا مريم؟. ألم تقولى عنه أمين روحك ؟أكنت كاذبة وقتها أم أن روحك خانت أمينها يا صديقتى؟كيف رأيته يواري تحت التراب ولم تلقى بنفسك على جسده مغشيا عليكى؟ لم تركته للظلام بلاكى وبلا حزنك عليه؟لم هان عليك من أفنى عمره من أجلك؟
ظللت اتساؤل حينا وأبكى حينا حتى مضى اليوم وحان النوم بجوار مريم والتى رجوت امى أن أبيت عندها ليلة أخري مدعية أنى اساندها وحقيقة الامر انى احاول كشف سرها.
مريم:بكيت كثيرا يا صديقتى ... لا تنهكى عيناك انه أبى لا أباك.
قيد اندهاشى لسانى وشل عقلى فلم استطع الرد علي تهكمها . ليست هذه مريم التى اعرفها أبدا.
رقدت بجوارها أرقبها بنظرات الشك والذهول حتى نامت ونمت.
طل الصبح بضياه واستيقظت ومريم بجوارى نائمة كأى يوم من أيامها لا أظن ان هناك ما يختلف فى هذا اليوم عن باقى أيامها ...لم تتأثر بشئ.
ألهذا الحد أنت باردة المشاعر جامدة القلب ؟اين تلك التى كادت تموت بكاءا فى المستشفى؟
أنقذت نفسى من الانجراف فى سيل التساؤلات وقررت أن اوقظها
_ مريم ... مريم ..
_ مريم استيقظى....لا تجيب
_ مريم ..وأنا اهز كتفها بقوة
ملأت رعبا لم يسبق أن شعرت به حتى صرت أضرب بكفى خداها وأقلبها يمنة ويسارا بعنف وأصرخ ..مريم ..مريم.
كنت أنادى مريم التى كانت ساعتها برفقة ملاكها الحارث ..تركت الجميع وآثرت الوفاء لأمين روحها وحبيب عمرها .
كفت عن البكاء وقت علمت بقرارة نفسها وأيقنت أنها لن تطيق الفراق وأنهاستلقى فقيدها لا محالة بعالمنا أو بعالمه بأي عالم لا يهم ما يهم ان تكون بمعيته.
 لم يكن هذا اليوم كباقى أيامك كما ظننت يا مريم لقد كان اخر ايامك واليوم الوحيد الذى ستبقى فيه على قيد الاحياء بلا أب. هذا هو سرك الذى أخفيتيه عنى..وأنى بك إخباري بما علمت  به روحك ولم يعلمه عقلك هذا هو قدرك الذى هيئك الله له يا مريم ...هيئك للقاء لا لفراق.


السبت، 23 مايو 2015

ذكرى تصارع النسيان(2)



كصفحات كتاب جلست دنيا تقلب ذكرياتها للمرة الالف، تتصفح كتاب ايامها بغية الوصول الى نفس الذكري فى كل مرة . لا حاجة لها لتعرف ماذا أثار ذكراه فيها. فالكثير من الاشياء تأتيها بغتة لتذكرها بأحمد، دنياها وحبها الأول الذي ليس له ثانٍ.
اشتاقت إليه ففتحت خزانة ذكرياتها علَّ ذكراه تُشبع الشوقِ بداخلها وتثنيه عن إيلامها. "كم اشتقت لهذا الوجه" قالتها مع تنهيدة ملتهبة طويلة طول السنوات الخمس التي تفصلها عن آخر مرة رأت فيها وجهه.
جاءت من أجلها نسمة باردة تسللت إلى شعرها الاسود الطويل من نافذة حجرتها  لتهدئ من اشتعال قلبها حبا وتطفئ حرائق تشعلها افكار واحتمالات في رأسها.
كانت تلك النسمة مفتاحا لغرفة ذكرى طالما حاولت دنيا إغلاقها بأعتى الابواب وأكبر السلاسل فهي لا تريد التذكر فكم هو الألم مبرح.
ذكرى يوما جمعها بأحمد حيث جلسا في أحد الأماكن بجوار النيل يروون له قصة حبهم ورغم تذكرها لكل تفاصيل ذلك اليوم لكن الذاكرة كانت تخونها دائما إذا حاولت تذكر هذا المكان ربما لأن الأماكن لم تشغل بالها يوما مادامت بجوار النيل ... وأحمد.
جلس قبالتها بعينيه العسليتين اللتين تتسعان كلما رأت دنيا، وكأنهما يحاولان أن يسعا دنيا وحبها وأحلامها وأمانيها التي كانت تضعها أمانة في عينيه. تذكرت وجهه الخمري الذي كان يشع نورا كلما رآها ويبتسم لها ابتسامة حب وهيام فيها.
لم تنس التفاصيل أبدا. كان يرتدي قميصا أسودا، وبنطالا يشاركه نفس اللون. ولولا ابتسامة وسعادة اعتلت وجهه لظنت أنه آت ليعزيها في قريب توفي ولم تدري به. ولم تكن تعلم أنه آت ليعيزيها في قلبها وحب عمره ربيعان. لم يكن هناك شيئا مختلفا يجعلها تظن أنه اللقاء الأخير. كانت كلماته كعادتها خدر يتسلل في جسدها كلما تكلم، فكان صوته كفيلا بإرسالها إلى عالم آخر في إغماءة حب.
كان ثالثهم في جلستهم نسمات النيل الباردة ورابعهم صوت فيروز الحنون يشاركهم الحب، وينادي من بعيد "سألوني الناس"، ليصنع لها ذكرى تصارع النسيان، ولا تهزمه. لم تكن تعلم يومها أن فيروز تتنبأ لها بمصيرها مع أحمد كلما سمعت صوتها بعد هذا اليوم شعرت وكأنها تتحداها بصوتها، وتحاربها حتى لا تنسى في يوم من الأيام.
 مر خمسة أعوام منذ افتراقهما على باب منزلها عندما أمسك بيدها ووضع قبلة هادئة على خدها شعرت وقتها أنها قبلة الوداع دون أن تعلم سببا لهذا الشعور. فسألته في براءة وصوت خافت "أتحبني ؟ عدني ألا تتركني يوما". وأجابها دون تردد "لن أنساكي يوما". تركها تتعجب وتتسائل وذهب ولم تراه بعدها يوما.
ظلت الاحتمالات تتجاذبها محاولة الوصول إلى سبب لهذا الغياب المضني. كم خمنت وتكهنت من أسباب لغيابه عن "دنياه". كما كان يناديها دائما "أيعقل أن يكون ببساطه ترك قلبي وحبي على عتبة منزلي ذلك اليوم أمن الممكن أن يكون مريضا أو... ...؟!!".
أسكتت لسانها عندما حضرتها  الفكرة الأخيرة وهزت رأسها علها تسقط هذا الاحتمال أرضا فيلاق حتفه، فهي تفضل تنازله عنها على أن يكون فارق الحياة في مكان ما.
 كم حاولت الاتصال به طيلة خمس سنوات ولم تجد ردا، فدائما الرقم مغلق ولا مجيب. كم تمنت لو كانت تعلم لبيته عنوانا فهي التي كلما سألتها عن بيته يجيبها بأن بيته عنياها وسكنه بين ذراعيها. "ليته أجابني بغير ذلك" قالتها بصوت نادم.
شعرت أنها بحاجة لمن يواسيها ويضع حدا لآلامها فاتصلت بصديقتها رانيا شاهدة الحب والألم علها تخفف عنها بكلمة، أو تخلق لها احتمالا جديدا يلهمها الصبر ويهديها الأمل في عودة أحمد.
جاء اقتراح رانيا من الجهة المقابلة للهاتف مناسبا لدنيا فأجابتها "موافقة". بعد أن قالت رانيا "لتخرجين من بيتك أولا ثم من ذكرياتك".
 سارت دنيا بجوار رانيا لتخرج لها من مخابئ ذكرياتها أحمد وذكرياته. ومع أن رانيا كانت تحفظ هذه الذكريات عن ظهر قلب، إلا أنها أبدا ما ضاقت بحكايا صديقتها. فهي تشعر بألمها، وكثيرا ما عاشته بل وأحبت أحمد معها.
بعدما بلغهما التعب، اقترحت رانيا أن يذهبا إلى مكان قريب للراحة وإستكمال حديثهما هناك. ذهبتا معا حتى وصلا إلى باب هذا المكان الهادئ المظلم، إلا من ابتسامات العاشقين. كل طاولة فيه لها قصة لعاشقين، عاشاها هنا. وكانت لدنيا وأحمد طاولة منهم. تذكرت دنيا كل شيئ وعادت إليها ذاكرتها على عتبة هذا المكان وكأنها ركبت آلة الزمن مع أول نسمة طالت وجهها من نسمات النيل، فعادت بها إلى ذلك اليوم، وهربت دمعة من عينيها رغم محاولاتها التماسك.
امتلأ أنفها برائحة أحمد تعبق المكان. التي طالما قالت له أنها دليلا على كذب الادعاء بأن لكل امرئ رائحة تميزه لا تعلمها إلا أمه، لأنها تعلمها جيدا، وتحبها.
 تسارعت دقات قلبها تكاد تقتلها. فقلبها لا يجد في هذا المكان إلا الألم، لكنها أبت إلا أن تذهب إلى تلك الطاولة. أخذت رانيا من يدها حتى اقتربتا منها. كاد أن يغشى عليها عندما وصلت هناك. فلم تكن الطاولة فارغة كان يجلس على أحد كراسيها الأربعة شاب خمري البشرة في الثلاثين من عمره حزين الوجه اتسعت عيناه حينما رأت دنيا أمامه حتى وسعت أحزان دنيا وآلامها لخمس سنوات.
 هنا جائتها "لو" معاتبة لها في قسوة فكم من "لو" تزورنا في كهوف أغلقناها على انفسنا لتخرجنا منها للجنة تارة، ولنار تحرقنا تارة أخرى. قالت بينها وبين ذكرياتها "لو ما نسيت هذا المكان، ما كنتي وإياه تعذبتما كل هذا العذاب، ها هو يجلس منتظرا منذ متى لا تعلمين؟  أيتها الخائنة للحب تركتيه للذكرى تأكله وتعذبه. كم من الدموع سالت من عينيكي؟ هي لاشئ حتما أمام ما ذرفه من الدموع. لو كنتي حبيبة وفية ما كنتي نسيته هنا يجلس وحيدا لخمس سنوات يصارع النسيان".

ووسط سيل  اللاوات جاءها من بعيد صوت طفل ترك يد أمه وجرى باتجاه أحمد يناديه ..."بابا".  

الثلاثاء، 19 مايو 2015

ذكرى تصارع النسيان


قاتلت فيك كرامتى فخذلت كبريائى
ذبحت فيك الذات وتركت رثائى
حاربت معك أعدائي واحبابى
تركتنى ثكلى الاحباب و الاعداء 
،،،،،
عاتبت فيك الحب فلم يجبنى
علك اغويته ببعض اللقاءات 

عاندت فيك الشوق كسر أضلعى
داوانى بصبر زاد مأساتى

عانقت فيك ابناءي واحفادى 
وجعلتنى عقيمة الوصل و الخيالات

احببت فيك الحب صارعتنى فيه
سيوف الهجر تقطع الاوصال

لا تحسبنك بعيدا عن معاناتى 
اسلك دروب الذنب وتذوق اهاناتى

طأ بقدميك الحب واطرد منك كلماتى
لن اعد ذليلا خاضعا
تحمل ورود الحب ذلاتى
،،،،،،
لا تحسبنك بعيدا عن النسيان

إن خسرت الحب وسامحك الشوق
وغفر لك الحرمان

لن تنجو من ذكرى تسكن الوجدان

بيد الهجر أهدم قصورا بنيتها
لك فى مدينة الاحزان

 فلا تبقى بشعرى إلا قصاصات 
أمزقها  فى غضب وامتهان

ولتكن بللا يرطب وجنتى 
بعد سيل الدمع والحرمان

يا خريف الحب يا زهر الشتاء
إن كان الحب ضيفك إنه 
لى كل الاهل والخلان

أهبك له سلعة بخسا
فتظل ذكرى تصارع النسيان



الاثنين، 16 فبراير 2015

الطريق

أنا كتاب صفحاته لم تقرأ
أنا كلمات بين السطور لم ترى

أنا كلمة السر لكل الابواب
انا حائط الصد لكل الامواج

انا السند انا الرفيق
انا من لن تفهمه ابدا
حتى وإن جمعنا الطريق

الأربعاء، 11 فبراير 2015

الحقيبة


تحملها قدماها سائرة فى شارع مزدحم بالناس ايابا وذهابا كلا الى وجهته لا يبالى بمن حوله اصواتا كثيرة تتداخل لم تفهم منها شيئا تلك المدللة التى تربت فى بيت الأسرة مع والدتها وقد توفى والدها وهى فتاة صغيرة هاهى تبلغ الخامسة والعشرين دون أن تحقق شيئا سوى شهرتها بين اقرانها باهتمامها الشديد بجمالها ومظهرها الأخذ الذى يجذب الجميع .تسير ورأسها الى السماء فى ثقة وغرور تدق بكعبها العالى ذو الصوت العالى الذى يلتفت كل من يسمعه ليمعن النظر فى جسد يستر ما تبقى منه ملابس أو كما تسميها "على الموضة".
تنتابها 
 حالة من ذهول تلتفت وتنظر لكل من حولها فى شك وارتياب تتصفح الوجوه من حولها على عجل عندما اكتشفت انها فقدت حقيبتها وبها كل ما تملك . تلك الحقيبة التي لا تفارق يدها ابدا انها  ابنتها المدللة المفقودة .
عادت مسرعة من حيث اتت تتلفت من حولها كغريق يبحث عن قشة تعيد اليه الحياة تنظر لكل من يقابلها وعيناها تسأله : هل رأيت حقيبتى؟ وكل ما تتمناه ان يجيبها احدهم وفى يده الحقيبة : نعم . ولكن دون جدوى.
وسط الزحام وعلى مسافة ليست بالبعيدة يقف شيخا كبيرا ابيض الشعر و اللحية وجهه قمرا مضيئا تنعكس عليه اشعة الشمس ينظر اليها باهتمام وكأنه يحاول ان يحفظ خطواتها تراه عيناها البنيتين المملوئتان بالحيرة  رغم الزحام يتمتم بكلمات لم تفهمها أو تسمعها حتى  أثار نظره اليها غضبها فهى تشعر بما يكفى من الحيرة لا ينقصها ان تحاول فهم كلمات ذلك الغريب  فتسير مسرعة مبتعدة عنه ينصب اهتمامها على حقيبتها المشئومة.
سارت حتى وصلت الى منزلها خائرة القوى متعبة يتساقط املها فى ايجاد حقيبتها يكاد ان ينفذ تنقر الباب فى لهفة ولا مجيب !! فرغ صبرها وبلغ حنقها منتهاه فهى لم تصر على شئ فى حياتها لهذه الدرجة الا أن شيئا بداخلها لا تعرف ماهيته يدفعها بشدة للبحث عن حقيبتها الا انها تحاول ان تهدأ .
 ألهمت ان تضع يدها فى جيبها
تفاجئت بما يصطدم بيدها أخرجته من جيبها لتجد مفتاحا تراه لاول مرة نظرت اليه متعجبة وطال نظرها اليه تتسائل من اين اتى ذلك المفتاح ، زادت تعجبا عندما ادخلت المفتاح الضيف فى باب منزلها العتيق الذى عاشت عمرها كله فيه فينفتح امامها !!!
دخلت مسرعة الى غرفتها لامبالية بأى شئ سوى حقيبتها آملة ان تفتح دولاب ملابسها فتجدها فى انتظارها ، مدت يدها وفتحت دولابها فلم تجد به الحقيبة المنشودة ، سالت دمعة من عيناها وقد فرغت من البحث عن حقيبة لن تجدها ابدا .
وأذا بيد تتسلل من خلفها تربت على كتفها برفق لتفزعها وتذيبها خوفا فتلتفت لتجد ذلك العجوز يمد يده اليها بالحقيبة ويطلب منها  ان تفتحها فتجلس على اقرب كرسى كالمغشى عليها وتفتح حقيبتها لتجدها فارغة من اى شئ  حتى من هواء تتنفسه فى غرفة ليس بها متنفس لها .
رفعت عيناها من الحقيبة الى العجوز تنظر اليه فى صمت فيجيب صمتها ويقول:
"الازمك منذ ان صدمتك تلك السيارة وانت مسرعة لا مبالية بشئ كعادتك وتركت جسدك الملقى على الأرض تستره الدماء أكثر مما تستره ملابسك ، ها أنت روحا ضائعة تبحث عن حقيبة لتحمل عملك الصالح ولكنك أضعتى عمرك فتركتى ما ستأخذين لتأخذى ما ستتركين والان .. اذهبى الى ربك خاوية الحقيبة"