صديقتى ورفيقة طفولتى تدعي مريم . نشبه بعضنا
فى كل شئ حتى فى ملامحنا . كثيرا ما اوحى الشبه بيننا للأخرين اننا اخوة . جمعتنا
البراءة والحب الذى لا تشوبه شاءبة جلست وإياها فى فترة راحتنا بين المحاضرات
واعتدنا ان نستغل هذه الاوقات لننعزل عن باقى الرفقة ونجلس معا نخرج ما تحويه جعبة
كل منا من أفراح وأحزان وهموم . دار بيننا حديث لا اذكر كيف بدأ ولكنى اذكر اننا
وصلنا للحديث عن الاقدار وكيف نتقبلها او نجزع امامها.
أنا: ولكن يا مريم بعض الاقدار هي فوق طاقتنا
على التحمل لا يمكننا ان نبقى بعدها وننساها فهى تحطمنا جزئيا او كليا.
مريم. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فهو يعلم
ما يمكننا تحمله وما لا يمكننا.
أنا. كلنا لا يعلم ماذا يختبئ له من أقدار
وكم من البشر من توفى لصدمة أو انتحر لأذمة.
مريم:هذا ضعف ايمان لا عدم قدرة على التحمل
انا اؤمن أن الله إن كتب علينا ما لا طاقة لنا به فإنه رؤوف بنا فى قضاءه ومن لطفه
ان يهيئنا ويعدنا لما سيجريه فينا من صعاب ومحن بالتدرج والتهيئة.....
هنا رن هاتفها قاطعا حديثا بدي لى انها توصلت
له بعد تفكير طويل سبق حديثنا هذا فقد بدت مؤمنة به موقنة كما لم أرها من قبل.
مريم: ماذا...ماذا تقولين؟...امى كيف..؟
....أنا اتية حالا ......
أنا : ماذا حدث؟
مريم:نقل ابى إلي العناية المركزة...انا
ذاهبة.
أنا:سأتى معك.
وصلنا الى حيث احتجز ابوها وقال عنه الاطباء
انه فى حالة حرجة وطلب منا ان ندعو الله له بالشفاء والنجاة.
سمعت مريم هذه الكلمات مذهولة تغرق عينيها في
دموعا ظننت من غزارتها انها ادخرت جل دموعها لهذا اليوم.
حاولت تهدأتها ولكن بلا فائدة ظلت تبكى بين
ذراعى وانهارت قواها ولم يمكننى إلا ان أربت على كتفها فأنا ادرى واعلم قدر ما حل
بها. كم كلمتنى مريم عن والدها ومقدار حبها له . كانت تصفه دائما بملاكها الحارث
وامين روحها كانت تتحدث عنه وكأنها تحكى عن حبيبا لها . ذات يوم قالت لى : هو
سعادتى الخالصة وروحى النقية لا يمكننى ان احيا بلا روحى ولو لحظة واحدة.
"يالحزنك يا مريم اصمدى حبيبتى فإن الله
لن يبتليكى في ما لا تطيقيه فهو يعلم ان مثل هذا ابتلاء فوق طاقتك "احتضنتها
وهمست هذه الكلمات فى اذنها فزادت فى بكاءها حتى خشيت ان يغشى عليها . رفعت عيناها
ببراءة وضعف وقالت :إن الله يهيئنى يا صديقتى ....واستمرت فى بكاءها.
"مريم حبيبتى لا تضيعى وقتك فى البكاء
والخوف مما لم يحدث بعد ليس هذا من شيم المؤمنين يا مريم . إلجائى إلى ربك وادعي
لاباكى بالشفاء دعى نور ربك يملأ قلبك فيطرد الخوف منه ويملأه ثقة بالله. دعى الله
يراك صابرة راضية فى محنتك فليكن الله عند ظن امته يا مريم.
هدأت بعد هذه الكلمات وأقبلت امها تخفى
دموعها وتدعى التماسك امامنا وأخبرت مريم انها يجب ان تذهب الى البيت لترتاح .
رفضت بشدة إلا ان امها غلبتها بقولها"لا ينقصنى عصيانك". رضخت مريم لامر
امها فعادتها الطوع والبر بأبويها.
حادثت امها وأخبرتها أنى سأبيت ليلتى عند
مريم حتى لا أتركها فى هذه الحالة ووافقت فذهبنا الي منزلها وحاولت التهوين عليها
بلا فائدة . رفضت الطعام والشراب ولولا إنهاك ألحقه بها البكاء لرفضت النوم أيضا ولكنها
نامت ورقدت بجوارها .
لم استطع النوم فكم أحزننى ما أصابها وإنى
لأخفى عنها خوفى مما تخافه أيضا . كره جسدى الرقود والنوم وهى فى هذه المحنة فإن
شغلها البكاء والخوف عن الدعاء فسأقوم انا بذلك بدلا عنها.
توضأت وبقيت الليل اصلى وادعو من اجلها ومن
اجل أبيها وبعد ساعات من الدعاء والصلاة خلدت للنوم بجوارها.
ايقظتنى مريم فى الصباح الباكر وأخبرتنى اننا
سنذهب الى المستشفى قلت لها :ولكن أمك قالت...
قاطعتنى بلهجة حازمة :ولكن أبى.
وصلنا الى غرفة العناية المركزة وجدناها تعج
اطباء وممرضات حتى لم نتمكن من رؤية اباها الذى فصل بيننا وبينه زجاج الغرفة.
نظرت الى مريم التى وقفت بجواري صامتة تنظر
بذهول لا دمعة واحدة تطل من عينيها .
كانتا صافيتين كما لم ارهما يوما أقرب لعيون المسرورين منها لعيون المنكوبين كذبت
عيناي وسلمت أذنى لطبيب خرج من الغرفة محادثا ام مريم:انا لله وإنا اليه راجعون.
انهارت امها مغشيا عليها وخر أخيها باكيا
يحاول الامساك بأمه وظلت مريم على نفس حالتها صامتة بلا أى رد فعل.
محادثة نفسى: ألم تسمعى كلمات الطبيب يا
مريم؟ ام ترفض أذناك سماع هذا الخبر بالذات؟
ناديتها: مريم..مريم حبيبتى.
أجابت ببرود:نعم..
أنا:إن الله مع الصابرين..إصبري واحتسبى.
لم تجبنى ولم تبدى أى اهتمام وكأن شيئا لم
يحدث معا منذ البداية وكأننا ما زلنا فى الجامعة نتحادث.
طلبت منى امها اصطحابها الى المنزل فهى أيضا
تخشى عليها ان تفيق من حالة الصمت التى أصابتها لتجد عزيزها وملاكها قد صار ذكرى
وماضيا فقط تحن إليه من حين لأخر..وانصاعت لامر أمها بلا مقاومة هذه المرة.
ظلت مريم على هذا الصمت المطبق طول الطريق من
المستشفى إلى البيت هائمة الوجه جامدة العيون ونامت فى هدوء كمن لم يمر بشئ ولم
اجرأعلى كسر هذا الصمت ببنت شفة فلا أخشى
أكثر من أن تخرج من هذا الصمت إلى الجنون.
نامت بهدوء ولم أنم أنا بقيت افكر فى حالتها
وما أصابها هل يعقل أن يبكيها المرض ولا يبكيها الموت؟ أم أن الله قد هيئها بالفعل
لهذا المصاب حتى تقبلته راضية مسلمة.
وظللت اتسائل وانا ألفها بذراعي لتشعر وإياى
بالامان حتى غلب النوم عينى.
أيقظنى ضياء الصبح فلم أجد مريم بجوارى . قفزت
خائفة ابحث عنها كالمجنونة حتى وجدتها فى غرفة امها..
أنا:مريم..ماذا تفعلين؟
مريم:ابحث عن ملابس سوداء..ألا يجب علىَ
ارتداء الاسود؟
تذوقت ريقى واقشعر جسدى فلم يكن هدوءها أمرا
مريحا أبدا اقتربت منها وفتشت معها حتى وجدنا ما أرادت .ارتدينا ملابسنا وعدنا مرة
اخرى الى المستشفى حيث سترى أباها للمرة الاخيرة وتودعه الى مثواه .
صارت الامور فى هدوء وأقيمت شعائر الجنازة وسط
بكاء وصراخ وحزن أدمى قلبى وأبكانى حتى غرق قلبى فى الحزن وأنا أنظر إلى تلك
المخيفة الصامتة فلم أعد اعرفها .
كيف يا مريم صرت قاسية لهذا الحد؟كيف بخلت
عيناكى بالدموع على أباكى؟كيف رضيت الفراق الذى أفرغ فؤاد أم موسى وبيض عينى
يعقوب؟كيف غلبته يا مريم؟. ألم تقولى عنه أمين روحك ؟أكنت كاذبة وقتها أم أن روحك
خانت أمينها يا صديقتى؟كيف رأيته يواري تحت التراب ولم تلقى بنفسك على جسده مغشيا
عليكى؟ لم تركته للظلام بلاكى وبلا حزنك عليه؟لم هان عليك من أفنى عمره من أجلك؟
ظللت اتساؤل حينا وأبكى حينا حتى مضى اليوم
وحان النوم بجوار مريم والتى رجوت امى أن أبيت عندها ليلة أخري مدعية أنى اساندها
وحقيقة الامر انى احاول كشف سرها.
مريم:بكيت كثيرا يا صديقتى ... لا تنهكى
عيناك انه أبى لا أباك.
قيد اندهاشى لسانى وشل عقلى فلم استطع الرد
علي تهكمها . ليست هذه مريم التى اعرفها أبدا.
رقدت بجوارها أرقبها بنظرات الشك والذهول حتى
نامت ونمت.
طل الصبح بضياه واستيقظت ومريم بجوارى نائمة
كأى يوم من أيامها لا أظن ان هناك ما يختلف فى هذا اليوم عن باقى أيامها ...لم
تتأثر بشئ.
ألهذا الحد أنت باردة المشاعر جامدة القلب
؟اين تلك التى كادت تموت بكاءا فى المستشفى؟
أنقذت نفسى من الانجراف فى سيل التساؤلات
وقررت أن اوقظها
_ مريم ... مريم ..
_ مريم استيقظى....لا تجيب
_ مريم ..وأنا اهز كتفها بقوة
ملأت رعبا لم يسبق أن شعرت به حتى صرت أضرب
بكفى خداها وأقلبها يمنة ويسارا بعنف وأصرخ ..مريم ..مريم.
كنت أنادى مريم التى كانت ساعتها برفقة
ملاكها الحارث ..تركت الجميع وآثرت الوفاء لأمين روحها وحبيب عمرها .
كفت عن البكاء وقت علمت بقرارة نفسها وأيقنت
أنها لن تطيق الفراق وأنهاستلقى فقيدها لا محالة بعالمنا أو بعالمه بأي عالم لا يهم ما يهم ان تكون بمعيته.
لم يكن هذا اليوم كباقى أيامك كما ظننت يا مريم لقد كان اخر ايامك واليوم الوحيد الذى ستبقى فيه على قيد الاحياء بلا أب. هذا هو سرك الذى أخفيتيه عنى..وأنى بك إخباري بما علمت به روحك ولم يعلمه عقلك هذا هو قدرك الذى هيئك الله له يا مريم ...هيئك للقاء لا لفراق.
لم يكن هذا اليوم كباقى أيامك كما ظننت يا مريم لقد كان اخر ايامك واليوم الوحيد الذى ستبقى فيه على قيد الاحياء بلا أب. هذا هو سرك الذى أخفيتيه عنى..وأنى بك إخباري بما علمت به روحك ولم يعلمه عقلك هذا هو قدرك الذى هيئك الله له يا مريم ...هيئك للقاء لا لفراق.





