إخلاء طرف مذيل بتوقيعها. هكذا انتهت القصة ولكن كيف بدأت؟!. بدأت بحلم فتاة صغيرة حلمت أن تكون معلمة منذ صغرها. تٌجلِسُ عرائِسُها صفاً أمامها وتمسك بالطبشور. تكتب به الدرس على حوائط المنزل، وتسألهم، وتتخيل انهم يجيبونها .
كبرت، وكبر حلمُها. وسعت اليه حتى نالته بعزيمتها. وتحقق، وبالفعل أصبحت معلمة وجاء أول يوم بالعام الدراسى ودخلت جنتَها المنشودة، المدرسة. وجلست وسط زميلاتها تنتظر الجرس. هذا الصوت الذى لم تسمعه منذ كانت تلميذة صغيرة ليخبرها ببداية حصتَها الأولى. وجلست تفكر خائفةً، قلقةً كمن يجلس فى لجنة ينتظر ورقةَ الاختبار، تُفكر ماذا ستقول وهل سيتقبلها التلاميذ؟ هل ستنجح أم ستضيع كل تحضيراتها هباءاَمنثوراً. وأيقظَها من قلقِها صوتُ الجرسِ. وبدأت الحصة الأولى فى أول فصل تدخله فى حياتها معلمة. وكان بالفعل فصلاً مهماً من حياتها. ووقفت أمامهم للحظة مرت كانها ساعة تتجاذبها الأدوار بداخلها ... هل انا معلمة؟ لا بل أنا تلميذة. قفى هنا أمام السبورة لا بل اجلسى وسط هؤلاء التلاميذ فأنت مازلت تلميذة مثلهم وظل الموقف يتلاعب بِها، ويُعيدَها الى ذكريات طفولتها وهى تحاول أن تقنعه بالحاضر. واخيراً اقتنع. وبدأت حصتُها وتعرفت بهم. وأعطتهم درسَهم بطلاقة، ومهارة، أذابت قلقها كما يذيب الماء الملح. وانتهت من حصتها على خيرٍ. وخرجت وتحيطُها هالةُ من الثقة بالنفس، يراها كل من حولها. يدفعها شوقٌ جارفٌ لحصصٍ أخرى تروي ظمأوها.

وتوالتُ الحصص. ومضى الأسبوع الأولِ من الدراسةِ، وهي تشعر بأنها تعيشَ الحُلم حقيقةً. تؤدي رسالتها الساميةَ، النابضةَ في عروقها لتشعرها بالوجود .
وتولد الحبُ، ونما بينها وبين ملائكتها الصغار. فأحبتهم ، وأحبوها أكثر مما أحبتهم. كانت تراهم وتتأملهم وتشتاق لجَميل شقاوتهم، كحبيبة تعشق حبيبها. وصاروا يتهافتهون عليها بعبارات المدح والحب في كراساتهم المزينة ببرائتهم.
ولكن ككل قصة حب هناك ما ينغص علي الحبيبين حبَهم، فكان عدوهم الأول هو الروتين وسوء الإدارة وكانت كالعزول الذي يحول دون سعادتهما.
كانت إدارة المدرسة لا تنظر لرسالتِها ولا قضيتِها التي تحارب من أجلها. وإنما تنظر لأمورٍ أخرى. لم تكن تشغل لمعلمتنا بالاً. فالمال غايتهم، ووسيلتهم، والظلم والاستغلال مبتغاهم. ولا يريدون منها إلا أن تكون ترساً نشيطاً في آلة إدارة المال تلك، والتي تمتص مال التلاميذ وحتى المعلمين لتُدِر المال على أصحاب المعالي. فاشتعلت الثورة بداخلها وحاولت أن تُشعِلَ ثورةً مماثلةً في زميلاتها التروس الأخرى، حتى يرفضون هذا الاستعمار الاجتماعي لكنها لم تجد فيهم إلا الاستسلام. ولم ترى الا انهم عصا تمسكها إدارة المدرسة لتعود وتضربهم بها.
فانتفضت وقررت التخلي... رأت أن تتخلى عن كل ما برأسها، وعن حلمها، ورسالتها لأنها في حالة صدمة لا توصف بكلمات. فرأت أن تعود جنيناَ في بطن أُمِّه بدلاً من أن تعيش مستغلِّة أو مُستَغَلَّة ... فقدمت إستقالتها مرفقة بإخلاء طرف مذيل بتوقيعها..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق